حيدر حب الله

182

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

الاعتبار المعطيات المشتركة المختزنة في ذهنه وذهن السامع . وأولى المشتركات هي البديهيات العقلية وما هو في قوّتها ، ومعه فلا يصحّ فهم القرآن بمعزل عن هذه المعطيات البديهية ، الأمر الذي يجعل فهم الكتاب العزيز خاضعاً لمعطيات العقل الأوّلية أو الواضحة جداً للجميع ، فلا يصحّ فرض المعارضة والاختلاف بين العقل والنقل حينئذٍ ، بل لا يولد الفهم النقلي إلا في ضوء الوعي العقلي المذكور . أما إذا لم يكن المعطى العقلي بديهياً ، كما هي الحال الغالبة ، بل يحتاج إلى نظر ومراحل للتوصّل إليه ، بحيث لا يكون حاضراً في الذهن الإنساني العام ، فالمعروف بين علماء المسلمين هنا تأويل النصّ القرآني بما ينسجم مع هذا المعطى العقلي فيصرفون اللفظ عن دلالته . ويحتجّون لذلك تارةً بأنّ القرآن لا يناقض الواقع ، والمفروض أنّ العقل كشف الواقع ، فننزّه القرآن عن الخطأ بالتأويل ، وأخرى بتصوير الرسالة القرآنية على أنّها دلالة ظهوريّة ظنيّة بما يفتح كوّةً في جدار النص الكتابي ليتقدّم العقل عليه تقدّمَ اليقين على الظنّ . وربما يصحّ لنا أن نقول بأنّه قد قامت نظريّة المعتزلة والعدليّة والإمامية وغيرهم على هذا المنهج عبر مقولة المجاز . لكنّ هذا الكلام يمكن التوقّف عنده مليّاً ، من حيث خضوعه للمنهج الأيديولوجي لا العلمي الموضوعي المحايد ، وذلك أنّه مهما دافعنا عن هذا الكلام فلن نتمكّن من الجواب عن السؤال المعرفي العقلاني الذي سيثيره هذا الوضع وهو : إذا كان حقاً قد أراد الله هذا المعنى الذي يتلاءم مع النظريّة العقلية الفلانية التي ظهرت فيما بعد ، فلماذا إذاً كان كلامه - بحسب الإفادة اللغوية - على عكس مراده ؟